المقالات
لماذا نهرب من الأشياء التي نعرف أننا بحاجة إلى مواجهتها؟
لماذا يمنحنا التأجيل أو التراجع راحة مؤقتة؟ مقال تعليمي يشرح وظيفة التجنب وحدود التعزيز السلبي ودور التوقعات دون تشخيص.

كاين واحد التناقض اللي ممكن نعيشوه أكثر مما ننتبه ليه.
عارف أن عندك رسالة خاصك تجاوب عليها.
محادثة خاصك تديرها.
مهمة خاصك تبدأها.
قرار خديتيه وخصك تنفذو.
ويمكن حتى تكون مقتنع أن التأجيل ما غاديش يحل المشكل.
ومع ذلك كتقول:
«نخليها من بعد.»
والغريب أن هاد «من بعد» يقدر يجيب معاه حاجة كنا محتاجينها فديك اللحظة:
شوية ديال الراحة.
ولكن علاش؟
ربما السؤال ليس: لماذا لم أفعلها؟
من السهل نفسر هاد المواقف بكلمات مثل:
«أنا كسول.»
«ما عنديش إرادة.»
«كنخاف من المواجهة.»
لكن هاد الكلمات ما كتشرحش بالضرورة شنو وقع.
جرب بدل ذلك تسول:
شنو تبدّل مباشرة من بعد ما قررت ما نديرهاش دابا؟
مثلاً:
قبل التأجيل كان التفكير فالمكالمة مزعجًا.
قلت:
«نديرها غدا.»
وفجأة نقص شوية من داك الانزعاج.
المكالمة ما اختفاتش.
المشكل ما تحلش.
لكن التجربة ديالك فديك اللحظة تبدلات.
وهنا كيبدا السؤال على التجنب.
التجنب ماشي دائمًا مشكل
التجنب Avoidance ماشي كلمة مرادفة للضعف أو المرض.
نحن نتجنب أشياء كثيرة لأسباب منطقية.
كتشوف خطرًا حقيقيًا، كتبعد عليه.
كتلاحظ أن نقاشًا وصل لمرحلة ما بقاتش مفيدة، كتوقف.
كتقرر أنك ما تدخلش موقفًا يمكن يضرك.
إذن الهدف ماشي نحولو «المواجهة» إلى فضيلة و«التجنب» إلى خطأ.
في أبحاث التعلم والخوف، يُنظر للتجنب باعتباره قادرًا على أن يكون تكيفيًا عندما يساعد الكائن على التعامل مع تهديد حقيقي، بينما يمكن أن يصبح غير تكيفي عندما يصبح مفرطًا أو غير متناسب ويبدأ في تقييد السلوك.
السؤال الأدق هو:
شنو الوظيفة اللي كيأديها هاد السلوك فهاد الموقف؟
اقرأ الدرس: كيف يمكن للتجنب أن يقوّي نفسه؟
لماذا يمكن أن نشعر بالراحة؟
تخيل هذه الحلقة:
موقف
↓
توقع شيء مزعج
↓
انزعاج
↓
تجنب / تأجيل
↓
انخفاض شيء مزعج
هنا النتيجة الفورية مهمة.
في علم التعلم، إذا تبع السلوك انخفاض أو إزالة شيء منفر، وكانت هذه النتيجة تزيد احتمال السلوك مستقبلًا، يمكن أن نتحدث عن:
التعزيز السلبي Negative Reinforcement.
وهذا أحد الأطر المهمة لفهم بعض أشكال تعلم التجنب واستمرارها.
وهنا تظهر المفارقة:
الشيء اللي ريّحك دابا، يمكن تحت شروط معينة يساهم فأن نفس السلوك يرجع من بعد.
لكن انتبه لكلمة:
يمكن.
الراحة لا تعني تلقائيًا أن السلوك تعزز
هذه نقطة أساسية.
أجلت مكالمة وشعرت بالراحة؟
هذا وحده لا يسمح لنا أن نقول:
«التأجيل تعزز.»
التعزيز يُحدد من أثر النتيجة في احتمال السلوك مستقبلًا، وليس فقط من كون النتيجة مريحة.
لذلك السؤال يصبح:
عندما ظهر موقف مشابه مرة أخرى، هل أصبحت أكثر ميلًا إلى استعمال السلوك نفسه؟
وهذا يحولنا من تفسير جاهز إلى شيء يمكن ملاحظته.
وماذا عن التسويف؟
التسويف ليس مرادفًا للتجنب.
يمكن أن يؤجل الإنسان مهمة لأسباب متعددة.
لكن بعض الأبحاث والنماذج تنظر إلى التسويف في بعض السياقات بوصفه مرتبطًا بتنظيم الانفعال قصير المدى: عندما تكون المهمة نفسها منفرة أو تثير مشاعر سلبية، قد يصبح تأجيلها طريقة للشعور بتحسن مؤقتًا، رغم التكاليف اللاحقة.
لهذا بدل أن نسأل:
«علاش أنا مسوّف؟»
يمكن أحيانًا أن يكون السؤال الأكثر فائدة:
«شنو كان مزعجًا فهاد المهمة، وشنو تبدل مباشرة ملي أجلتها؟»
مرة أخرى: هذا سؤال للملاحظة، وليس تشخيصًا لسبب التسويف.
والرجوع عن القرار؟
حتى هو ماشي تجنب تلقائيًا.
يمكن أنك خديتي قرارًا، وصلتك معلومات جديدة، وغيّرت رأيك.
وهذا قد يكون تصحيحًا عقلانيًا ممتازًا.
لكن تصور سيناريو آخر:
خديت القرار.
↓
قرب وقت التنفيذ.
↓
توقعت نتيجة مزعجة.
↓
زاد الانزعاج.
↓
رجعت فالقرار.
↓
ارتحت مباشرة.
هنا ما نقولوش:
«إذن كنت كتتهرب.»
نقول:
«كاين هنا نمط يستحق الملاحظة.»
والفرق بين الاثنين هو تقريبًا الفرق بين الحكم على الإنسان ودراسة وظيفة السلوك.
التوقعات تدخل في القصة أيضًا
وهنا تصبح الصورة أكثر إثارة من مجرد:
انزعاج → هروب → راحة.
الأبحاث الحديثة حول Human Avoidance Learning لا تدعم اختزال كل التجنب في تفسير واحد بسيط.
مراجعة منهجية حديثة شملت 116 دراسة وجدت دعمًا مهمًا لدور التوقعات والاستدلال والنتائج التي يتوقع الإنسان حدوثها، إلى جانب عمليات التعلم الإجرائي وتأثير السياق؛ ولم تجد أن إطارًا واحدًا يفسر كل النتائج.
وهذا يعني أن السؤال ليس فقط:
«شنو حسيت؟»
بل أيضًا:
«شنو كنت متوقع غادي يوقع؟»
لأن السلوك لا يحدث في فراغ.
وهنا نرجع لنقطة بدأنا منها في همسات
من البداية كنا كنقولو أن الإنسان ما كيتعاملش فقط مع الحدث الخام.
كاين:
حدث → إدراك/تفسير → معنى → انفعال → ميل للفعل → سلوك → نتيجة
لكن الآن نقدروا نضيفو شيئًا مهمًا.
النتيجة اللي خرجت بها من سلوكك اليوم يمكن تدخل في تعلمك وتوقعاتك عندما تواجه موقفًا مشابهًا مستقبلًا.
فتصبح الخريطة التعليمية لـHamassat أقرب إلى:
إدراك → معنى → انفعال → سلوك → نتيجة → تعلم → توقعات جديدة → موقف جديد…
ليست هذه «نظرية Hamassat العلمية».
إنها خريطة تعليمية نستخدمها لتنظيم الأسئلة وربط المفاهيم، بينما كل جزء منها يحتاج أن يُفهم في ضوء أدبياته العلمية الخاصة.
الراحة الآن والتكلفة لاحقًا
هناك فرق آخر يستحق الملاحظة:
ما الذي حدث مباشرة؟
و:
ما الذي حدث لاحقًا؟
ممكن تقول:
«ما غاديش ندير المكالمة اليوم.»
وترتاح الآن.
لكن غدًا يمكن أن تبقى المكالمة موجودة.
أو يصبح القرار أصعب.
وفي موقف آخر، قد يكون الابتعاد اليوم هو القرار الأكثر حكمة.
لذلك لا نبحث عن قاعدة:
«واجه كل شيء.»
ولا:
«التجنب سيئ.»
بل نبحث عن العلاقة بين:
السياق + التوقع + السلوك + النتيجة الآن + النتيجة لاحقًا.
سؤال همسات
المرة الجاية اللي تلقى راسك كتقول:
«نخليها من بعد.»
ما تحكمش مباشرة على نفسك.
وقف لحظة وسول:
شنو كنت متوقع يوقع؟
ثم:
شنو تبدّل مباشرة ملي أجلت؟
ثم، مع الوقت:
واش كنلقى راسي كنستعمل نفس الحل أكثر فمواقف مشابهة؟
يمكن تلقى تجنبًا.
يمكن تلقى قرارًا عقلانيًا.
ويمكن ببساطة ما تكونش عندك معلومات كافية باش تعرف.
وحتى «ما عارفش» نتيجة مفيدة.
لأن الهدف ماشي أننا نعطيوك قصة جاهزة على نفسك.
الهدف أنك تشوف القصة بشكل أوضح.
همسات — الفهم قبل العلاج.
جرّب التمرين: ارسم دورة تجنب واحدة من حياتك
الحدود العلمية للمقال
هذا المحتوى تعليمي وليس أداة تشخيص أو علاج.
وجود التأجيل، تغيير القرار أو الشعور بالراحة بعد سلوك لا يثبت وجود نمط تجنب مرضي ولا يحدد سببه.
التجنب والتسويف واتخاذ القرار ظواهر متعددة المحددات، ويجب عدم اختزالها في آلية واحدة.
المراجع العلمية
- Krypotos AM, Effting M, Kindt M, Beckers T. Avoidance learning: a review of theoretical models and recent developments. Frontiers in Behavioral Neuroscience. 2015;9:189.
- Leng L, Beckers T, Vervliet B. What a Relief! The Pleasure of Threat Avoidance. Emotion. 2024;24(3):539–550.
- Sirois FM, Pychyl TA. Procrastination and the Priority of Short-Term Mood Regulation: Consequences for Future Self. Social and Personality Psychology Compass. 2013;7(2):115–127.
- Mancinelli F, Bach DR. A systematic review of human avoidance learning: Cognition, computation, and methods. Neuroscience & Biobehavioral Reviews. 2026;190:106916.

مساحة للنقاش
ماذا تركت هذه الصفحة لديك؟
شارك رأيك أو سؤالك باحترام. التعليقات مساحة للفهم وتبادل وجهات النظر، وليست للتشخيص أو طلب العلاج.